السيد محمدحسين الطباطبائي
197
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
وما يقال : إنّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ . « 1 » ولذلك نرى أنّ الإنسان يتحمّل في جنب المحبّ من البلايا والمحن والأذايا ما لا يتحمّل ، ولا يسيرا منه لولا الحبّ ، وليس ذلك إلّا لأنّ انجذاب النفس إلى المحبوب واشتغالها به واجتماع إدراكها فيه يوجب ضعف إدراكها لصور البلايا والمحن والمكاره . والغاية في هذه الجذبة المسمّاة ب : « الحبّ » هي المحبوب ، على حسب ما يليق به من الوجود للمحبّ ووصوله إليه ، ففي المطاعم والمشارب : أكلها وشربها ، وفي النساء : ازدواجها ، وفي المال : التملّك به ، وفي العلم : تعلّمه ، وفي الجاه : وجدانه وحيازته وهكذا . وإذا كان الحبّ شيئا وجدانيّا إداركيّا ، كانت غاية الحبّ هي غاية المحبّ بعينها ، فغاية الحبّ هي الوصول إلى المحبوب وأن لا يحجبه عنه حاجب ، أي أن لا يشتغل نفسه بإدراك ما يمنع إدراكه عن إدراك المحبوب بوجه . وإذا أمعنّا وجدنا أنّ نهاية الفوز بالمحبوب أن ينسى المحبّ نفسه في جنبه بعد ارتفاع سائر الحجب المانعة . ومن هنا ما يقال : إنّ غاية الحبّ فناء . ولما مرّ ، كان أشهى الأشياء عند المحبّ ارتفاع الحجب المانعة ، ولا بشرى عنده أحبّ من بشرى حبّ المحبوب له ، فإنّه بشرى انجذاب متعاكس وقرب مطلوب .
--> ( 1 ) . لم نجده في المجامع الروائية بهذا اللفظ ولكن في الكافي 2 : 136 ، الحديث : 23 : « فانّ حبّ الدنيا يعمي ويصم » ، وفي من لا يحضره الفقيه 4 : 380 ، الحديث : 5814 : « حبكّ للشيء يعمي ويصم » ، وراجع : الميزان في تفسير القرآن 1 : 374 .